السيد محمد باقر الصدر
46
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
له ذلك بمجرّد رؤيته الحرارة مع النار عدّة مرّات ؟ ! هذا ما نجيب عنه . إذن : فالفرق بين المنطق الذاتي وبين علم النفس يكمن في أنّ علم النفس يتناول في بحوثه العاديّة الفكر محكوماً لتمام العوامل والمؤثرات ؛ لأنّ عمليّة التجريد لا تنطبق على الواقع الخارجي ، وعلم النفس يلجأ إلى التجربة وملاحظة الأفراد في عالم الخارج ، شأنه في ذلك شأن سائر العلوم التجريبيّة . أمّا المنطق الذاتي ، فيتناول الفكر مجرّداً عن كلّ العوامل والمؤثّرات عدا العقل ، ثمّ يبحث في كيفيّة تولّد الفكر من الفكر . التمييز بين مادّة الفكر وصورته : كنّا بصدد الحديث عن المنطق الذاتي وتمييزه عن سائر فروع المعرفة ، وقد شرعنا في بيان ما يختلف فيه مع المنطق العقلي الأرسطي ، الذي عنينا به المنطق البرهاني . وقلنا في هذا الصدد : إنّ كلّاً من هذين المنطقين يبحث عن طريقة في التفكير تختلف عن الطريقة التي يبحث عنها المنطق الآخر : فالمنطق الذاتي يبحث عن قوانين الطريقة الذاتيّة في تولّد المعرفة ، بينما يبحث المنطق العقلي عن قوانين الطريقة الموضوعيّة في ذلك . وتوضيح الفكرة : أنّ الفكر من وجهة نظر المنطق العقلي تارةً يلحظ من حيث مواده ، وأخرى من حيث صورته : ففي قولنا : « العالم متغيّرٌ ، وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث » : ( تغيّر العالم ) و ( حدوث المتغيّر ) مادّتان من مواد الفكر البشري ، فيلحظ صدقهما أو كذبهما في مقام حكايتهما عن الخارج . وتارةً أخرى لا يلحظ صدق المواد أو كذبها وإنّما تلحظ صورة الفكر ،